ابن أبي الحديد
64
شرح نهج البلاغة
قال : وأعلم أن الكناية تشتمل على اللفظ المفرد ، واللفظ المركب ، فتأتي على هذا مرة ، وعلى هذا أخرى ، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب ، ولا يأتي في اللفظ المفرد البتة ، لأنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ، ولا من جهة المجاز ، بل من جهة التلويح والإشارة ، وهذا أمر لا يستقل به اللفظ المفرد ، ويحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب . قال : فقد ظهر فيما قلنا في البيت الذي ذكره ابن سنان مثال الكناية ، ومثال التعريض هو بيت امرئ ( 1 ) القيس ، لان غرض الشاعر منه أن يذكر الجماع ، إلا أنه لم يذكره بل ذكر كلاما آخر ، ففهم الجماع من عرضه ، لان المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يدلان على الجماع ، لا حقيقة ولا مجازا . ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار . . . ) ( 2 ) الآية . قال : كنى بالماء عن العلم ، وبالأودية عن القلوب ، وبالزبد عن الضلال . قال : وقد تحقق ما اخترعناه وقدرناه من هذه الآية ، لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة ، كما يجوز حملها على جانب المجاز . قال : وقد أخطأ الفراء حيث زعم أن قوله سبحانه وتعالى : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) ( 3 ) كناية عن أمر النبي صلى الله عليه وآله ، وأنه كنى عنه بالجبال . قال : ووجه الخطأ أنه لا يجوز أن يتجاذب اللفظ هاهنا جانبا الحقيقة والمجاز ، لان مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية ، فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية .
--> ( 1 ) هو بيت امرئ القيس : فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا * ورضت فذلت صعبة أي إذلال ( 2 ) سورة الرعد 17 . ( 3 ) سورة إبراهيم 46 .